ابن أبي شيبة الكوفي

557

المصنف

وأنا ابن الأكوع * واليوم يوم الرضع فإذا كنت في الشجرة أحرقتهم بالنبل ، وإذا تضايقت الثنايا علوت الجبل فرديتهم بالحجارة ، فما زال ذلك شأني وشأنهم أتبعهم وأرتجز حتى ما خلق الله شيئا من ظهر النبي ( ص ) إلا خلفته وراء ظهري ، واستنقذته من أيديهم ، قال : ثم لم أزل أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين رمحا وأكثرا من ثلاثين بردة ، يستخفون منها ، ولا يلقون من ذلك شيئا إلا جعلت عليه آراما من الحجارة ، وجمعته على طريق رسول الله ( ص ) ، حتى إذا امتد الضحى أتاهم عيينة بن بدر الفزاري ، ممدا لهم وهم في ثنية ضيقة ، ثم علوت الجبل فأنا فوقهم ، قال عيينة : ما هذا الذي أرى ؟ قالوا : لقينا من هذا البرح ، ما فارقنا بسحر حتى الآن ، وأخذ كل شئ في أيدينا وجعله وراء ظهره ، فقال عيينة : لولا أن هذا يرى أن وراءه طلبا لقد ترككم ، قال : ليقم إليه نفر منكم ، فقام إلى نفر منهم أربعة ، فصعدوا في الجبل ، فلما أسمعتهم الصوت قلت لهم : أتعرفوني ؟ قالوا : ومن أنت ؟ قلت : أنا ابن الأكوع ، والذي كرم وجه محمد لا يطلبني رجل منكم فيدركني ، ولا أطلبه فيفوتني ، قال رجل منهم : أظن ، قال : فما برحت مقعدي ذاك حتى نظرت إلى فوارس رسول الله ( ص ) يتخللون الشجر ، وإذا أولهم الأخرم الأسدي وعلى أثره أبو قتادة فارس رسول الله ( ص ) ، وعلى أثر أبي قتادة المقداد الكندي ، قال : [ فولوا المشركين مدبرين ] ، وأنزل من الجبل فأعرض للأخرم فآخذ عنان فرسه ، قلت : يا أخرم ! أنذر بالقوم ، يعني احذرهم ، فإني لا آمن أن يقطعوك ، فائتد حتى يلحق رسول الله وأصحابه ، قال : يا سلمة ! إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر وتعلم أن الجنة حق والنار حق فلا تحل بيني وبين الشهادة ، قال : فخليت عنان فرسه فيلحق بعبد الرحمن بن عيينة ويعطف عليه عبد الرحمن ، فاختلفا طعنتين فعقر الأخرم بعبد الرحمن ، وطعنه عبد الرحمن فقتله ، وتحول عبد الرحمن على فرس الأخرم ، فيلحق أبو قتادة بعبد الرحمن واختلفا طعنتين فعقر بأبي قتادة ، وقتله أبو قتادة ، وتحول أبو قتادة على فرس الأخرم ، ثم إني خرجت أعدوا في أثر القوم حتى ما أرى من غبار صحابة النبي ( ص ) شيئا ، ويعرضون قبل غيبوبة الشمس إلى شعب فيه ماء يقال له : ذو قرد ، فأرادوا أن يشربوا منه فأبصروني أعدو وراءهم فعطفوا عنه وشدوا في الثنية ثنية بئر وغربت الشمس فألحق بهم رجلا فأرميه ، فقلت : خذها

--> [ فولوا المشركين مدبرين كذا في الأصل ، والمقصود أن المشركين هم الذين ولوا مدبرين .